أبي حيان الأندلسي
20
البحر المحيط في التفسير
وأجلهم بالرفع . وقضى أكمل ، والفاء في فنذر جواب ما أخبر به عنهم على طريق الاستئناف تقديره : فنحن نذر قاله الحوفي . وقال أبو البقاء : فنذر معطوف على فعل محذوف تقديره : ولكن نمهلهم فنذر . وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ : ومناسبة هذه الآية لما قبلها أنه لما استدعوا حلول الشر بهم ، وأنه تعالى لا يفعل ذلك بطلبهم بل يترك من يرجو لقاءه يعمه في طغيانه ، بيّن شدة افتقار الناس إليه واضطرارهم إلى استمطار إحسانه مسيئهم ومحسنهم ، وأنّ من لا يرجو لقاءه مضطر إليه حاله مس الضر له ، فكل يلجأ إليه حينئذ ويفرده بأنه القادر على كشف الضر . والظاهر أنه لا يراد بالإنسان هنا شخص معين كما قيل : إنه أبو حذيفة هاشم بن المغيرة بن عبد اللّه المخزومي قاله : ابن عباس ومقاتل . وقيل : عقبة بن ربيعة . وقيل : الوليد بن المغيرة . وقيل : هما قاله عطاء . وقيل : النضر بن الحرث ، وأنه لا يراد به الكافر ، بل ، المراد الإنسان من حيث هو ، سواء كان كافرا أم عاصيا بغير الكفر . واحتملت هذه الأقوال الثلاثة أن تكون لشخص واحد ، واحتملت أن تكون لأشخاص ، إذ الإنسان جنس . والمعنى : أنّ الذي أصابه الضر لا يزال داعيا ملتجئا راغبا إلى اللّه في جميع حالاته كلها . وابتدأ بالحالة الشاقة وهي اضطجاعه وعجزه عن النهوض ، وهي أعظم في الدعاء وآكد ثم بما يليها ، وهي حالة القعود ، وهي حالة العجز عن القيام ، ثم بما يليها وهي حالة القيام وهي حالة العجز عن المشي ، فتراه يضطرب ولا ينهض للمشي كحالة الشيخ الهرم . ولجنبه حال أي : مضطجعا ، ولذلك عطف عليه الحالان ، واللام على بابها عند البصريين والتقدير : ملقيا لجنبه ، لا بمعنى على خلافا لزاعمه . وذو الحال الضمير في دعانا ، والعامل فيه دعانا أي : دعانا ملتبسا بأحد هذه الأحوال . وقال ابن عطية : ويجوز أن يكون حالا من الإنسان ، والعامل فيه مس . ويجوز أن يكون حالا من الفاعل في دعانا ، والعامل فيه دعا وهما معنيان متباينان . والضر : لفظ عام لجميع الأمراض . والرزايا في النفس والمال والأحبة ، هذا قول اللغويين . وقيل : هو مختص برزايا البدن الهزال والمرض انتهى . والقول الأول قول الزجاج . وضعف أبو البقاء أن يكون لجنبه فما بعده أحوالا من الإنسان والعامل فيها مس ، قال : لأمرين : أحدهما : أنّ الحال على هذا واقع بعد جواب إذا وليس بالوجه . والثاني : أنّ المعنى كثرة دعائه في كل أحواله ، لا على الضر يصيبه في كل أحواله ، وعليه آيات كثيرة في القرآن انتهى . وهذه